انطلاق وقطاع قبلي:
في صباح يوم الجمعة كان فريق الكرامة يستعد لخوض مغامرة حقوقية عنوانها
البحث عن الحقيقة، مع تراقص الندى ومداعبة الأوزون لجيوبنا الأنفية كنا بانتظار
السيارة التي ستقللنا الى وجهتنا.
اثناء الانتظار كان الرفاق يتبادلون
الضحكات المحملة بندى الصباح الممزوجة بروح الدعابة يأخذ بعضنا صور تذكارية ليعلن
في موقع التواصل الاجتماعي عن انطلاق الرحلة راجيا من الجميع الدعوة له بأن يعود
سالما من جبال ومرتفعات وصاب، بعد وصول السيارة ركب الجميع متوجهين نحو وصاب
العالي، في هذه اللحظة لم نكن نعلم أن المرتزقة مازالوا يتواجدوا في وقت يتشدق
الجميع بالمدنية، وان اللصوصية الذين يحرمون الناس من الخدمات الأساسية ما زالوا
يمارسون مهنتهم على مرأى ومسمع من الدولة الغائبة عن الوجود على الرغم ان القطاع
القبلي كان قريبا من العاصمة، عندما تواصلنا مع أحد الأشخاص لنتأكد من صحة النبأ،
كان رده مطابقاً لما وصل إلينا، عندها توقف الجميع في لحظة تفكير بالبديل الذي
يبغضه الجميع ليستقر الرأي بتغيير الطريق فبدلا من السير نحو ذمار ثم آنس وصولا
إلى وصاب العالي حيث الوجهة الرئيسية لنا وتعد هذه الطريق هي الطريق الأسهل
والأقرب، اتفقنا مضطرين أن نذهب من الطريق الاخر الأشد عذابا وفتكا بالنفوس
والأرواح، اتجهنا طريق الحديدة بداية المعاناة كانت في مناخة حيث لا رحمة للنفوس
الضعيفة، كان بجواري الصديق أمجد خشافة ذلك الصحفي الذي يعشق روح المغامرة، اشفقت
عليه من هول الطريق وما تحدثها المنعطفات من عذابات النفس ونزع الروح اضنه تمنى
انه لم يعرف الصحافة في تلك اللحظة، استمر السفر نحو ثمان ساعات متواصلة ونحن
نتنقل بين التغير المناخي، بين رطوبة الحديدة الى نسيم ريمة ومن ثم هواء وصاب الذي
تعشقه الرئتين..
عين على وصاب:
وصاب التي يستلذ اللسان بنطقها، تبهرك بجمال الطبيعة، وبالخمائل الممتدة
على بساطها الأخضر، تخطف الخاطر بجداولها المتناسقة، ومدرجاتها الباعثة للحياة.
تبدأ رائحة الطبيعة عند وصولك
محمية عتمة تللك الجنة المتزينة بجمال الطبيعة، الغائبة عن عيون السياحة ليس لجرم
سوى الخجل الذي تعاني منه الدولة عند الترويج لتلك المحمية وزيادة نشاطها وتحسين
اوضاعها.
عند وصولك الى وصاب العالي،
تستوقفك تلك الجبال الشاهقة التي تناطح السحاب وتعانق الثريا، تكون حائراً بين
التناسق الهندسي المثير للدهشة، وبين القدرة العجيبة التي يمتلكها الرجل الوصابي
لتحدي هذه الجبال والتضاريس واتخاذه قرار العيش فيها.
وتقع مديرية وصاب العالي في الجهة الغربية من محافظة ذمار، وتقدر مساحتها
حوالي 162.864 كم^2، ويسكنها أكثر 164.223 نسمة . مركز المديرية الدن
ترتبط المديرية بمركز المحافظة عبر طريق ذمار – الحسينية الذي يبدأ من
مدينة ذمار ويجري حاليا استكمال توسعة ورصفة.
الأثار القديمة والإسلامية:
بقيمة الماضي العريق والحضارة المغروسة في جذور الشعوب وأوطانهم تكون قيمة
الأمم ، لا يشك أحد بأن اليمن تزخر بآثارها الدالة على عمقها التاريخي, لا توجد
مدينة إلا وكان لها نصيب من آثار الأمم السابقة، كذلك وصاب العالي كانت حاضرة
بتاريخها وآثارها التي تعود بك الى أيام العز ونهضة الأمة الاسلامية، حيث تعد خرائب
مدينة عركبة من أهم المواقع الأثرية القديمة وتنتشر القلاع والحصون القديمة على قمم الجبال العالية مثل
قلعة الدن وقلعة الوايلي، وقلعة مصنعة، ومن الحصون: حصن النشم، وحصن كبود، وحصن الشرم، وحصن غيثان، وحصن جعر وغيرها.
ومن المعالم الأثرية التي تزخر بها وصاب العالي (قبة عرّاف) الواقعة على
بعد (21 كم) في الشمال الشرقي من مركز مديرية وصاب العالي (الدن)
مسجد العفيف: أحد المساجد القديمة ويجد في عزلة بني مسلم ويتميز بسقفه الخشبي ذو القطع الخشبية
الجميلة، وتزينها زخارف هندسية وكتابية ونباتية، تسجل لتاريخ بناء المسجد
شهداء الثورة لم يشفعوا لوصاب عند حكومة ما بعد الثورة:
تدفق أبناء وصاب الى ساحات الحرية وميادين التغيير في انحاء الوطن ماسهل
تواجدهم هو انتشارهم في أصقاع الوطن هروباً من عذابات الواقع الذي تفرضه تلك
التضاريس مع غياب تام لأبسط الخدمات التي تمتعت بها شعوب ما قبل القرن الواحد
والعشرين، توزعوا وهم يحلمون بغد أفضل ينتزعهم من البؤس والشقاء الذي هم فيه.
كانت أرواحهم هي أقصى ما يملكون
لإثبات أحقيتهم في هذا الوطن وتضحية في سبيل إيجاد أبسط مقومات الحياة . وقدمت
وصاب خيره شبابها كان من أبرزهم العريفي و الشاجع والعلوي وغيرهم من الأسماء التي
ساهمت بإشراق شمس الحرية، كانت ارواحهم فدية كي يلفتوا إلى وصابهم أعين الدولة
الغائبة بشكل كلي عن منطقتهم، لقد ذهب الشهداء ودفن معهم الأمل وبقيت المأساة
مستمرة.
لم أكن اعلم أني مذنب بحق المياة الإ عندما رأيت ماذا تعني القطرة من الماء
وكيف يتم القتال في سبيل الحصول عليها، كانت أمامي بركة يغزوها العلق قال لي أحدهم
أن هناك عزل يشربون من هذا المياة فكم نحن مذنبون بحق الانسانية وحرمانهم من
مستحقاتهم.
يتكلم الأهالي عن غياب المشاريع الإنمائية والخدمية في وصاب متسائلين أليس
نحن ضمن الخريطة الوطنية فلماذا يتم تجاهلنا ونحن نفتقد إلى أبسط المشاريع، وفي
سؤالهم عن دور المجالس المحلية و الأعضاء النيابة المتواجدين في مجلس النواب ،
والذي انتخبوهم ليكونوا صوتهم الوحيد الى الدولة، يتكلم الأهالي أن من تم
انتخابهم، لا يعبرونهم إلا اثناء اقتراب الانتخابات اما بعد الانتخابات فأغلبهم
يسكنون العاصمة ولا يلتفتون الى احتياجات المديرية.
المدرس عن بعد وغياب التخصص:
ليست مشكلة التعليم محصورة على مديرية وصاب العالي بحد ذاتها، بل أكبر
مشكلة تنخر كيان اليمن وتحرمه من مسايرة العصر هي هشاشة التعليم ذالك السرطان الذي
ينتشر على بساط الوطن ولا تسلم منه حتى المدن الرئيسية لكن في وصاب كان له حرمان
آخر قد توجد مدرسة واحدة يتهاطل عليها الأطفال ويأتون من مرتفعات شاهقة، تعجب من
لطف الله كيف يستمرون ويسلمون، لم تنتهي المشكلة بمحدودية المدارس بل في غياب تام
للتخصص، حيث لا يتعدى تخصص الأغلبية من خريجي الثانوية العامة او المعهد العالي
للمعلمين، وتمتد المشكلة إلى اكتشاف نوع جديد من طرق التدريس متمثلة في الغياب
التام للمدرسين واعتماد الحضور عن بعد حيث توجد مدرسة قوام المدرسين المعتمدين في
المدرسة يتجاوز الثلاثين مدرس لكن لو مررت بالمدرسة لم تجد سوى اربعة الى عشرة
يتواجدون في المدرسة اما البقية فهم يشتغلون في مجالات أخرى حيث تم التنسيق مع
الجهات المعنية ليتم تسجليهم في كشوفات الحضور مع امكانية اعطائهم شيء من الحصة
التي يستلمها آخر كل شهر
حين تتحول المراكز الصحية الى منازل للسكن:
في تلك التضاريس والهضاب يأخذ ابناء وصاب حرب ضروس ضد تلك المرتفعات إذا ما
أراد احدهم الذهاب الى مركز المديرية لإسعاف مريض وربما لم يستطع أن يصل الى
الطبيب إلا وقد ذهبت روح المريض اذا كانت الحالة حرجة، لم تبخل الحكومة بشراء
الأحجار ومن ثم بناء المستوصف، أثناء مرورنا بجوار المستوصف لم نرى فيه أي عرق
ينبض بالحياة وبعد التحري وجد أن المبنى هيكل دون روح لا يتواجد فيه أي طبيب ولا
حتى حبة بندول بالرغم من رخصها، بل كانت الكارثة أن تحول المستوصف إلى سكن لأحد
النافذين في المنطقة.
حلم الحسينية لم يكتمل :
على طريقة المشاريع الوطنية التي تبدأ وسرعان ما تنتهي بل ربما انتهت قبل
أن تتم، خط الحسينية الذي يصل مركز المديرية بمحافظة ذمار لم يكتب له النجاح بعد
ومصاب بخمول شديد لربما عمل عبارة واحدة يأخذ شهرين من وقت المشروع كما حدثني بذلك
شقيق رجل الأعمال المعروف بالسدعي للعطور.
تقطع حوالي ساعة ونصف من مركز المديرية حتى تصل الى نقطة الأسفلت في طريق
جبلي غير معبد، تتقفز من مرتفع الى آخر اشد ارتفاع من الأول، طريق وعرة ومنعطفات
خطيرة، وتكمن الخطورة عندما تم شق الطريق في صخور مهددة بالانهيار بل كانت الطريق
مملوءة بالصخور المتدحرجة من الأعلى، لقد فرح المواطنون بهذا المشروع لكن الصبر
يقتلهم وهم في انتظار أن يتم تجهيز طريق الحسينية بشكل كامل، حتى تنتهي معاناة
السفر.
الحراك الوصابي:
على غرار الحركات التي تطلقها بعض المحافظات والمدن اليمنية التي تشعر
بالظلم تجاهها وسلبها حقوقها وافتقادها لأبسط الخدمات، في ضل هذه الحالة يقوم
أبناء وصاب بالإعداد والتجهيز لإطلاق الحراك الوصابي ليكون الوسيلة الوحيدة لتجميع
الصفوف ومن ثم الضغط على الحكومة والمطالبة السلمية بحقوقهم كجزء من هذا الوطن
المحروم من الرعاية والاهتمام .
الطيران الأمريكي يحرم أبناء وصاب من خدمات الردمي:
كثر الحديث والأخذ والعطاء عند تناول حديث استهداف المتهم بانتمائه لتنظيم
القاعدة حميد الردمي فمنهم من صنف الضحية على أنه خطير من النوع المحرم دولياً،
يتجهز لإعلان وصاب العالي إمارة اسلامية، كلٌ أدلى بدلوه لكن ليس من رأى كمن سمع
وليس الخبر كالمعاينة، ومن أجل نقل الحقائق على صورتها التي لا تحتمل التزييف الإعلاني،
بدا لنا الأمر أن نكون في موقع الحادث لنقترب عن كثب من مسرح الجريمة، قابلنا
الأهالي فلم نرى منهم سوى الألم المعصور بالخسران يقول أحد المواطنين لقد كان اليد
التي تمتد لتساعد الضعيف وتمكنه من استخراج حقوقه بطرق سلمية لا وجود للعنف
والإرهاب فيها، أحبه الجميع وانتفع به الأهالي، حيث حقق ما عجزت الدولة عن تحقيقه
من السلم وحل القضايا الشائكة لأكثر من عشرين عام، في مركز المديرية قمنا بزيارة
مدير الأمن الذي امتنع عن التصوير وأكتفى أن يدلي بشهادته بغياب عدسة الكاميرا
يردف العقيد أحمد شايع قائلاً لقد كان حميد الردمي رجل يمارس الصلح الاجتماعي ويساعدنا
في حل بعض المشاكل، وبخصوص الضربة الأمريكي يقول العقيد أن الضحية لم يكن مطلوباً
أمنيا، ولو كانت هناك شكوى ضده كان باستطاعتنا اعتقاله، دون اللجوء الى الطيران
الأمريكي بدون طيار.
طفلة الوحيد يتكلم عن الجريمة التي ارتكبها والدة في نظر الطيران بدون
طيار, هي انه جعل من نفسه جسر لخدمة المجتمع وحارب كل انواع النفوذ من قبل وجهاء
المنطقة فبعد أن كان الشخص يضل على أبواب المشايخ عدة أشهر على أمل أن يحل قضيته،
أصبح الردمي يحلها دون تأخير ودون أن يطلب أي مقابل لذلك، وتحدث بعض أهالي
المنطقة، أن الرجل كان ضحية الوشاية المقدمة من بعض وجهاء المنطقة حيث وأن حميد قد
أخذ دورهم واصبح الناس يتوافدون عليه من أماكن ليست بالقريبة لحل قضاياهم، وفي هذا
يجب أن نضع سؤال، هل تصبح التقارير الكاذبة مبرر كافي لسفك دماء قد يكون أصحابها مجرد
ضحايا لا ذنب لهم.
لقد غابت ابسط الخدمات عن مديرية وصاب العالي، لكن الطيران الأمريكي كان
حاضر، هذه هي الضربة الأولى التي تستضيفها وصاب من الحكومة الأمريكية فهل ستكون
الأولى والأخيرة أم أن الوطن على موعد مع أخرى .

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق